أنينٌ لا تقوى عليه الأدوية ولا تسكته المسكنات، خمول وفقدان طاقة وأرق وآلام لا نهاية لها، حياة بالغة الصعوبة يعيشها مرضى "فيبرومايلجيا" إذ لا يمكنهم مواجهة مرضهم إلا براحة جسدية ونفسية، ربما تفيدهم الأدوية أحيانا، ولا غنى لهم عن مُسكّنات الألم، لكنهم مهما فعلوا لا يتخلصون من المرض، يلازمهم طوال حياتهم، وتختلف حدته حسب ظروفهم ومحفزات الألم التي يتعرضون لها، يحدث معهم كل هذا في الظروف الطبيعية، فكيف تأثروا بالحرب التي فيها من أسباب زيادة مرضهم ما يكفي؟ أسباب فاقمت معاناة المصابين بالمرض وأصابت آخرين كثر به، خاصة أن العامل النفسي يلعب الدور الأكبر في المشكلة.
فيبرومايلجيا "متلازمة الألم العضلي الليفي" مرض لم يجد العلم تفسيرا مؤكدا له ولأسبابه بعد، لكن بحسب الدراسات فإن خللا في مستقبلات الجهاز العصبي يؤدي لإرسال إشارات بالألم وتضخيم الإشارات المؤلمة، وغالبا ترتبط الإصابة به بإصابة جسدية أو الخضوع لجراحة أو عدوى أو إجهاد نفسي شديد، وأعراضه كثيرة ومتفاوتة الحدة تتغير من يوم لآخر ولا تفارق المريض، منها آلام حادة في كل أنحاء الجسم وصداع وأرق وضبابية التفكير واضطرابات في الذاكرة والتركيز وفقدان الطاقة والخمول، وكثيرا ما يعيق المرض أصحابه عن المضي في حياتهم والاضطلاع بمسؤولياتهم، وليس له علاج حتى الآن، لكن يمكن تخفيف أعراضه بالدعم النفسي وبعض أنواع الرياضة وأدوية مثل مضادات الاكتئاب.
العجز قاتلي...
قبل سنوات، وصل الألم عند "محمد" إلى الحد الذي شلّ حركته تقريبا، فاعتمد في أغلب تحركاته على الحبو بدل المشي، عدا عن الأعراض الأخرى مثل الصداع والأرق، ما دفعه لاستخدام أدوية نفسية تجعله في حالة خمول دائم لكنها تخفف آلامه قليلا.
يقول: "اضطررت لمغادرة بيتي في الأيام الأولى من الحرب، ومنذ ذلك اليوم وأنا في مأساة لا تصفها الكلمات، نزحت عند أقارب في بيتهم الصغير الذي يعج بالنازحين، وفيه خصصوا غرفة للرجال وأخرى للنساء، ما أفقدني خصوصيتي في الألم، وصعّب عليّ الاستعانة بزوجتي",
ويضيف: "الاضطرار للفرار من المكان بسرعة شكّل هاجسا عندي، فكيف أركض وقت الخطر؟، لذا نزحت جنوبا على أمل أن أجد فرصة للاستقرار".
ويتابع: "النزوح الذي ظننت فيه راحتي، فتح عليّ أبواب معاناة كثيرة، أولها الخيمة، الحياة فيها قاتلة لمريض فيبرومايلجيا، فلا سرير ولا مقعد ولا درجة حرارة معتدلة ولا خصوصية"، مواصلا: "مع ذلك لا يمكنني الحديث كثيرا عن التعب البدني، فأنا شبه مقعد، ما يجعل معاناتي على الصعيد النفسي أكبر، أخاف على أحبتي، أفكر في كيفية توفير احتياجات أسرتي، وفي مآلات الحرب عليّ وعلى أهلي".
الخوف والقلق والكثير من المشاعر السلبية زادت معاناة محمد، لكن أصعبها، على حد وصفه، الشعور بالعجز، والذي بسببه طلب الاكتفاء بذكر اسمه دون اسم العائلة لما عاشه، ويعيشه، من حرج وقهر.
يوضح: "في البداية نزحت مع مجموعة من أقاربي، أعانوني كثيرا لكنني لم أتحمل أن أكون عبئا على أحد، ولا أن أكون طريح الفراش أمام الجميع، ومع الوقت استقلت كل عائلة في مساحة منفصلة، فخف الضغط قليلا".
ويبين: "عجزي أمام زوجتي وأبنائي لم ينتهِ، فزوجتي تتنقل بين المؤسسات الخيرية للحصول على المساعدات، وتقف في طوابير المياه والتكايا، وتقوم بكل احتياجات الأسرة من طبخ على الحطب وغسيل الملابس يدويا وغير ذلك، وتستعين بالأبناء الذين لم يتجاوز أكبرهم عامه الخامس عشر".
بعد فترة بسيطة من اندلاع الحرب لم يتمكن محمد من الحصول على الدواء، فكان انقطاعه كارثة جديدة، إذ سبب انتكاسة حادة ومرّ بتجربة سيئة للأعراض الانسحابية نتيجة التوقف المفاجئ عن تناوله.
مثلث العلاج المفقود
العلاج المعرفي السلوكي والمساج والسباحة كانت وسائل أمل الشيخ في مواجهة فيبرومايلجيا قبل الحرب، لكن أيا منها لم يعد متوفرا الآن، حلّ محلها ضغوط نفسية ومسؤوليات لا تنتهي.
تقول: "أعاني من المرض منذ سنوات، وجدت صعوبة في التعامل معه في عاميه الأولين، حتى اهتديت لتلك الوسائل، فخفّت أعراضه كثيرا".
وتضيف: "مع اندلاع الحرب، ظهرت الكثير من العوامل التي تزيد معاناة مريض الألم العضلي كثيرا، مثل النزوح المتكرر، النوم والجلوس على الأرض، الغسيل اليدوي، إلى جانب الضغوط النفسية التي لا حصر لها".
وتتابع: "لا يمكن أن يتخيل أحد حياة مريض فيبرومايلجيا والتفاصيل البسيطة التي تتعبه، مثلا الضجيج الناتج عن ازدحام المكان بالنازحين من محفزات الألم بالنسبة لي".
في الأعوام الثلاثة الأخيرة قبل الحرب، استعانت أمل بمساعدة منزلية، أما الآن فهي تغسل الملابس يدويا، تعجن الخبز، تجلس بالساعات أمام موقد الحطب، وتقطع مسافات طويلة مشيا لقضاء مشاويرها المهمة.
تتذكر تجربتها مع المرض في حرب سيف القدس عام 2021: "رغم قصر مدة تلك الحرب تراجعت صحتي كثيرا بسبب التوتر والقلق، وكنت أظن أن هذا أقصى ما يمكن أن يحصل معي في الحروب، لم أتخيل أنني سأفقد كل وسائل الراحة التي وفرتها لنفسي في بيتي، ولا أنني سأعيش أكثر من عامين في خيمة لا ترحم الجسد المنهك".
توضح: "الانحناء لدخول الخيمة من بابها القصير، والجلوس على الأرض، والنوم على فراش غير مريح، وفعل كل شيء بشكل يدوي، والاضطرار للمشي الطويل بسبب أزمة المواصلات، وكثير من التفاصيل ترهقنا نحن مرضى الفيبرومايلجيا".
وعن الأرق في الخيمة، تبين: "ينام الجميع، ويعم الهدوء الشارع، وأبقى وحدي أصارع الأرق والخوف، أخاف من كل حركة أسمعها خارج الخيمة، حتى لو كان الصوت لقطة تسير قرب خيمتي، أبقى في حالة ترقب خشية دخول لص".
بعد السهر الطويل لا تجد أمل فرصة للحصول على نوم كافٍ، ففي ساعات الصباح الأولى تضيء الشمس الخيمة وتعلو أصوات الناس في الشارع.
فوق كل التعب، تستمر أمل في تحمل مسؤوليات أسرتها، ما يزيد ألمها، ليس بسبب الجهد البدني فقط، وإنما لأن التفكير في شؤون الأسرة وتدبير احتياجاتها مرهق للمريض، فمثلا المجاعة كانت من أقسى الفترات بالنسبة لها بسبب فرط التفكير في كيفية توفير الطعام لأبنائها والخوف عليهم من الجوع.
أرض خصبة للمرض
يقول طبيب المخ والأعصاب د. باسل بكر إن الحرب تمثل بيئة شديدة الصعوبة على مريض فيبرومايلجيا، فكل تفاصيلها تُفاقم مرضه، مثل الجهد البدني الكبير، والضغوط النفسية ذات الأشكال المتعددة، وانعدام الاستقرار وكثرة المسؤوليات، بالإضافة إلى انقطاع الأدوية، وتراجع فرص الحصول على الدعم النفسي والعلاج الطبيعي.
ويضيف: "العلم لم يؤكد بعد أسباب الإصابة بهذا المرض القاسي، لكن شرارة المرض تبدأ غالبا بإجهاد جسدي أو نفسي أو عدوى فيروسية، متابعا: "هذه العوامل موجودة بوفرة في القطاع خلال الحرب، ما يعني أن مسببات المرض كثيرة، وهذا ما يفسر تزايد حالات الإصابة به في هذه الفترة".
ويوضح أن معظم الأدوية التي يحتاجها مريض الألم العضلي الليفي غير متوفرة، مثل أدوية الألم العصبي ومضادات التشنج ومرخيات العضلات، ومضادات الاكتئاب، وحتى المسكنات لا تتوفر دوما.
ويشير إلى أن سوء التغذية من أسباب تراجع صحة المريض، سواء بسبب المجاعة أو لطبيعة الأغذية المتوفرة أو ارتفاع أسعارها، مبينا: "مريض فيبرومايلجيا يحتاج عناصر غذائية تساعده على مواجهة مرضه، مثل الماغنيسيوم وفيتامينات D و B12، وفي الحرب ليس سهلا توفير الأطعمة الغنية بتلك العناصر".
ويلفت إلى أن الألم العضلي الليفي غالبا يرافقه أمراض أخرى مثل الانزلاق الغضروفي وخشونة المفاصل، وهي أمراض تتأثر بالحرب بطبيعة الحال، مثلا في حال الإصابة بانزلاق غضروفي قد يتأخر التشخيص لتعطل كل أجهزة الرنين المغناطيسي في القطاع، وهذا التأخر يزيد المشكلة، وفي حال التشخيص لا يمكن الحصول على الأدوية والراحة والعلاج الطبيعي بسهولة.
ويؤكد بكر أن استمرار الظروف الصعبة يعني المزيد من الألم لمرضى فيبرومايلجيا، ولا يخفف معاناتهم إلا توقف الحرب وتحسن الظروف الحياتية، حالهم حال كثير من أصحاب الأمراض الأخرى.



